من يوميّات تونسيّة : الحلقة الأولى
كتبهاليلى شيبوب ، في 5 نوفمبر 2008 الساعة: 21:32 م
24 جويلة 2008:
نهضت بصعوبة هذا الصباح، كما هو حالي منذ أن عدََّلت ساعتي دون حماس على النظام التوقيتي الجديد. فقد كنت أعرف مسبقا أن ساعتي البيولوجية لن تقبل بتقديم ساعة ولا بتأخيرها مطلقا…
كانت عيناي شبه مغمضتان وأنا أرتدي سروالي ‘الدجين’ الأزرق وقميصي الأحمر. لم أعد أمضي الكثير من الوقت صباحا في اختيار ما سأرتدي من ثياب قبل الذهاب الى عملي. فقد أصبح مجال اختياراتي محدودا جدا منذ أن تغير عنوان مقر عملي فوجدتني مضطرة لاستعمال وسائل النقل العمومي.
…’ لا تلبسي الفساتين ولا التنانير.. اياك ثم اياك من وضع الذهب والحلي وكل ما غلا ثمنه من الاكسسوارات.. لا تضعي ما يظهر أنوثتك ولا ما قد يدل على أنك ميسورة الحال.. ضعي الحقيبة تحت ابطك أو أحضنيها على صدرك.. كوني دائما حذرة…’ هذا بعض ما أستحضره من الوصفة التي تتبادلها الفتيات والنساء، هنا بالعاصمة، ليوم خال من المنغصات، أطبقها حرفيا علني أتفادى ما يمكن أن ينغص يومي أو يلحق بي الضرر. أتخلص من أنوثتي ما استطعت، لا أرتدي شيئا ذا قيمة ولا أغفل أبدا عن حقيبة يدي…
خرجت مسرعة إلى محطة الحافلات وعقل حالي يطرح السؤال ذاته الذي يفرض نفسه كل صباح : أي الحافلات أمتطي : الصفراء أم الخضراء؟
الصفراء؟ كم أصبح يفزعني هذا اللون وكم يحزنني حالي وأنا داخل هذا الصندوق الذي يضيق براكبيه أحيانا كثيرة ليتحول إلى علبة سردين لا يمكن أن يتحملها السردين ذاته. يكفي مجرد التفكير في ما قد يحدث خلال ذلك من ‘عفس ورفس ودزوتلاصق ونشل وكش ونش ‘لتنتابني حالة من الاشمئزاز.. و مع كل ذلك ومع عدم انضباط الحافلات العمومية في الوقت فهي أفضل الحلول الممكنة لمراعاة إمكانياتي المادية.
الخضراء؟ ها أنا ذا أراها تطل في أول نهج فلسطين ولم أتخذ قراري بعد.. حافلة بيضاء اللون بخطوط طولية خضراء على الجوانب، كتب بينها بالفرنسية ‘TCV‘ في إشارة للحروف الأولى لاسم شركة النقل المالكة…
لم يعد لدي متسع من الوقت لأختار والا فانني سألتحق بعملي متأخرة.. ثم ماذا لو قررت انتظارالحافلة الصفراء فأطلت الانتظار؟..
انزلقت يدي في جيبي، في حركة لا إرادية، لتداعب ورقة العشرة دنانير وبعض القطع النقدية الصغيرة التي لا تفوق بالتأكيد قيمتها الخمسة مائة مليم. انها آخر ورقة نقدية لدي ويجب أن أجتهد لأطيل أمد حياتها أكثر ما يمكن.. أعرف أن الركوب في الحافلات الخاصة مريح جدا وغالبا ما تتمتع بكرسي اضافة إلى الرفاهية والهدوء والاستماع إلى الراديو.. لكن التذكرة في المقابل غالية الثمن.. انتابتني رغبة الضحك وأنا أتذكر طرفة كان بطلها أحد الأصدقاء فقد أراد أن يمتطي حافلة للمحطة التي تلي فصعد في إحدى الحافلات الخاصة دون معرفة مسبقة بتعريفتها معتقدا أن معلوم محطة واحدة لن يكون مشطا في كل الحالات.. لكن المحطة الواحدة كلفته دينارا كاملا أي أكثرمما قد يدفعه لو ركب سيارة أجرة.. ومنذ ذلك اليوم أقسم أن لا يركب حافلة خاصة قط…
داعبت أصابعي الورقة النقدية اليتيمة للمرة الثانية وتقدمت مع بعض المنتظرين نحو باب الحافلة..لا مفر من الصعود اذ لم يعد لدي متسع من الوقت… تظاهرت باللامبالاة وبالكثير من الثقة في إمكانياتي وهممت بالصعود مع الآخرين غير أن السائق جعلنا نتراجع عندما أخبرنا أن المقاعد الشاغرة اثنان فقط. لا أدري أيجب أن أفرح أم أحزن ؟ حتما سأصل متأخرة لعملي وسأقاسي ما أقاسيه من متاعب الرحلة، لكنني في المقابل سأحافظ على حياة ورقتي النقدية ساعات أخرى.
من المؤكد أنني لست بخيلة بالطبع لكنني أصبح كذلك كلما تهادى التاريخ نحو أواخر أيام الشهر. وهانحن اليوم في الأسبوع الأخير منه، لذلك لن أتكرم على نفسي ب’كرواسون الصباح ولا ب’باتي’ الضحى وسأنشغل عن جوعي بالعمل حتى يحين موعد عودتي إلى البيت خلال الظهيرة… (يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مجتمع, تونس, مرأة | السمات: مجتمع, مرأة, تونس
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 6th, 2008 at 6 نوفمبر 2008 6:07 م
صديقتي ليلى أشكرك على دعوتك لي بمشاهدة كتابتك الجديدة ( يوميات تونسية ) في حلقتها الأولى . لقد اعجبت كثيرا بطريقة سردت للقصة حيث أنك ذكرتي كل جزئية الأحداث الزمنية منذ البداية وهذا يبشر بأنك خطوت أول خطوة في بناء القصة الدرامية وبعد الإنتهاء من كتابة كل الحلقات ندخل معا في وضع السيناريو والمعالجة الدرامية للقصة ونختار لها عنوان يناسبها شكلا وموضوعا . اتمنى لك التوفيق واستمري في كتابة حلقاتك ولا تنسي أي موقف حدث في اليوميات فربما يكون ذلك الحدث بمثابة حبكة درامية . كما ارجو اعلامي عن جديدك بصورة متواصلة . ولك تحية خاصة . أحمد .
نوفمبر 10th, 2008 at 10 نوفمبر 2008 12:56 م
شكرا على الاهتمام والتشجيع.. يسعدني كثيرا أن تغمرني بملاحظاتك القيمة.. سأكون مثابرة..
وتحية خاصة لك أيضا