مقالات - صور -دردشة - ومواضيع متنوعة في كل المجالات

شهادة حية بين الأمس واليوم…الأحلام الموؤودة

كتبهاليلى شيبوب ، في 25 مايو 2007 الساعة: 07:24 ص

في الثمانينات من القرن المنقضي، هنا في هذا الركن الهادئ في عمق الجنوب التونسي، كانت الحياة صعبة حد الحزن وبسيطة حد الموت وكانت المعرفة غائبة حد الجهل. لكنني مازلت أذكر تلك السيدة الكريمة التي تركت أثرها بين ربوع هذه الأرض الجافة. سيدة مرت من هنا فمكثت هنا رغم صعوبة الحياة في وقت كان الكل يتوق فيه للرحيل.

على حافة طريق ترابية وقرب "فاسدقية" كبيرة  شيد مبنى المدرسة الابتدائية في منطقة "الرماثي" الريفية : ثلاثة أقسام ومنزلين صغيرين للمعلمين ومطعم أو "كنتينة" كما كان يسمّيه التلاميذ. كانت المدرسة صغيرة لكنها جميلة حتى أنها كانت تقريبا على بساطتها أفضل ما شُيّد في تلك المنطقة وقتها.

وأنت تدخل المدرسة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات لا يمكن أن يجتاحك سوى اعتقاد راسخ بأن المجتمع هنا رجالي مائة بالمائة. وإذا رأيت فتاة هنا أو هناك في إحدى الصفوف فتلك حالات نادرة سريعا ما تختفي عن الأنظار.

لم يكن يحق للمرأة هنا أن تتعلم وإذا تعلمت فلكي تتمكن فقط من كتابة اسمها أو في أقصى الحالات لقراءة الرسائل، كما كان يردد الآباء آنذاك. لذلك لا تراها تتردد على المدرسة لوقت طويل. وكلما تَدَرّجْتَ تصاعديا بين الصفوف إلا وتراجعت نسبة الإناث وربما صادفك قسم عدد الفتيات فيه لا يتجاوز الصفر.

لم تكن النساء هنا تعلمن شيئا عن حقوق الطفل ولا عن حقوقهن ولا عن حقوق الإنسان ولا حتى الحيوان سوى ما جادت به الفطرة والطبيعة والمجتمع.

كانت المرأة تعزف لحنا صامتا منفردا حد البكاء دون أن تعي مصدر اللحن ولا سبب البكاء.

لكن شادية كانت تدرك كل شيء وربما كانت معارفها تفوق طاقة أكثر الرجال معرفة في المنطقة.

كانت وحدها تناضل من أجل مجتمع أكثر تفتحا وأكثر وعيا ومن أجل مستقبل أرقى وشباب أكثر اتزانا. كانت تحاول إقناع هذا العالم الصغير المعزول بمعادلة بسيطة جدا ألا وهي : "العلم لا يقل أهمية عن الخبز". كانت مهمة صعبة حد الاستحالة لكنها أصرت على نشر الفكرة كلما استطاعت.

كنت أعرف هذه المرأة تماما كما أعرف أمي. كانت مليئة بالحب والحياة والتفاؤل والصبر والصمود والعطاء. وكنت أحب شعرها الذي لم تتبقى منه اليوم سوى بعض الأوراق البالية بين صفحات كتبي القديمة وبقايا كلمات متناثرة في ذاكرتي لم يمحوها الزمن.

كانت أول من غرس بذرة الوعي في ذلك المحيط الجاف. ونمت البذرة مع مر السنين حتى أصبحت شجرة خضراء متفرعة وغمرت المدرسة الألوان حتى أصبح لون الميدعات الوردي يعم المكان.

أذكر اليوم هذه السيدة وأنا أعود بعد سنوات إلى هذه المنطقة التي لم تعد كما كانت منعزلة.

أذكرها وأنا أنظر إلى هذا الوجه الطفولي الحزين أمامي وكأنه وجه قادم من زمن مضى.

هو وجه راضية ابنة الـ12 ربيعا وهي تحدثنا عن سبب حزنها : "… لقد نجحت فانقطعت عن الدراسة… كنت تقريبا واثقة من هذا المآل… وخشيت النجاح فقط حتى لا أبارح المدرسة… لكنني نجحت وغادرتها… لقد أكرهوني على ذلك رغم تشبثي بالدراسة وحبي للكتاب"…

أمضت راضية ست سنوات في هذه المدرسة قبل أن تُكلّل بنجاح امتحان السنة السادسة ابتدائي، فكان لا بد لها من الانتقال إلى مدرسة إعدادية بالمدينة، وهو ما رفضته العائلة بشدة رغم توفر نقل عمومي خاص بالتلاميذ، فكان الحل أن أرغمت على مغادرة مقاعد الدراسة لتلتحق بركب أخواتها الثلاث الأكبر منها سنا واللاتي مررن بنفس التجربة غير أن أكبرهن كانت أقل حظا بكثير لأنها لم تدخل المدرسة قط.

…يحدث هذا سنة 2007، زمن التقدم التكنولوجي والعولمة والإنترنات، زمن الطرقات والمواصلات والكهرباء. يحدث هذا في منطقة لا يخلو بيت فيها من راديو أو تلفاز، في عصر تغير فيه مفهوم الأمية ليتجاوز مجرد الكتابة والقراءة، في عصر تعددت فيه الجمعيات والمنظمات والمؤسسات التي تدافع عن حقوق الطفل والمرأة…

تتركنا راضية لتأملاتنا التي ربما كانت على يقين أن لا طائل منها لتلحق مسرعة بأغنامها التي حادت عن المكان المخصص للرعي. هكذا تبدأ الصغيرة حياتها الجديدة، وهنا ليس ببعيد عن "جبل الظواهرية" تئد كل صباح أحلامها الصغيرة قبل أن تكبر.

منذ خمس سنوات غادرتنا شادية دون رجعة لكنني أبدا لم أبكيها كما بكيتها هذا اليوم… 

Le journal :   N° 61 du Samedi 10 Février 2007

www.gplcom.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تاريخ, مجتمع, أمية, تعليم, تونس, ثقافة, مرأة | السمات:, , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “شهادة حية بين الأمس واليوم…الأحلام الموؤودة”

  1. سلامي وتحياتي لك

    يسرني أن أتوجه إليك بعميق إ عجابي بنفحات خواطرك وكتاباتك المستوجبة للتشجيع والتثمين ,مع خالص تمنياتي لك بالتوفيق المستدام والعطاء المتواصل

    سلامي/محمد الأمين نويوة

    http://medlaminenouioua.maktoobblog.com/

  2. مدونة جميلة

    اليك تحياتى

    اتمنى ان تشرفى مدونتى

  3. يكفي انك من الجنوب

    تحياتي

  4. لو لم اكن من الجنوب لتمنيت ان اكون من هناك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر