في الثمانينات من القرن المنقضي، هنا في هذا الركن الهادئ في عمق الجنوب التونسي، كانت الحياة صعبة حد الحزن وبسيطة حد الموت وكانت المعرفة غائبة حد الجهل. لكنني مازلت أذكر تلك السيدة الكريمة التي تركت أثرها بين ربوع هذه الأرض الجافة. سيدة مرت من هنا فمكثت هنا رغم صعوبة الحياة في وقت كان الكل يتوق فيه للرحيل.
على حافة طريق ترابية وقرب "فاسدقية" كبيرة شيد مبنى المدرسة الابتدائية في منطقة "الرماثي" الريفية : ثلاثة أقسام ومنزلين صغيرين للمعلمين ومطعم أو "كنتينة" كما كان يسمّيه التلاميذ. كانت المدرسة صغيرة لكنها جميلة حتى أنها كانت تقريبا على بساطتها أفضل ما شُيّد في تلك المنطقة وقتها.
وأنت تدخل المدرسة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات لا يمكن أن يجتاحك سوى اعتقاد راسخ بأن المجتمع هنا رجالي مائة بالمائة. وإذا رأيت فتاة هنا أو هناك في إحدى الصفوف فتلك حالات نادرة سريعا ما تختفي عن الأنظار.
لم يكن يحق للمرأة هنا أن تتعلم وإذا تعلمت فلكي تتمكن فقط من كتابة اسمها أو في أقصى الحالات لقراءة الرسائل، كما كان يردد الآباء آنذاك. لذلك لا تراها تتردد على المدرسة لوقت طويل. وكلما تَدَرّجْتَ تصاعديا بين الصفوف إلا وتراجعت نسبة الإناث وربما صادفك قسم عدد الفتيات فيه لا يتجاوز الصفر.
لم تكن النساء هنا تعلمن شيئا عن حقوق الطفل ولا عن حقوقهن ولا عن حقوق الإنسان ولا حتى الحيوان سوى ما جادت به الفطرة والطبيعة والمجتمع.
كانت المرأة تعزف لحنا صامتا منفردا حد البكاء دون أن تعي مصدر ال













